علاء بشير ولوعة الذاكرة

عبد الرزاق عبد الواحد :

2001                  

 علاء بشير ولوعة الذاكرة

تماماً كما تتوالد الذرة حتى تغرق كل ما حولها ، كذلك تتوالد رموز علاء بشير ، أو تتوالد أفكاره وأخيلته داخل رموزه حتى تصبح كوناً بأسره .

يوماً ما .. حين كنت أتجول في معرض تخطيطات علاء " حبر على ورق " ، عراني شعور غامض بالألم وأنا أنظر إلى سمكته القتيل . قلت : ماذا سيفعل علاء بعد أن ماتت السمكة ؟!

أعلم أن رموز علاء بشير الأساسية : سمكته ، وتفاحته ، وشاهده الغراب . وأعلم أنه أقحم شاهده أحياناً ليدخل في حدث اللوحة او فكرتها ..  أو ينهض هو بالحدث و الفكرة نازعاً عنه حياديته . وأعلم أنه أتعب سمكته لفرط ما أخصب بها الكون كله ، فكان من العدل أن يتركها لتستريح  !.. وأعلم أنه دار على تفاحته .. حيناً تؤكل ، وحيناً تقتل ، وحيناً تتعفن حتى تتخللها الديدان .

وتوهمت أن علاء قد استنزف رموزه كلها حتى آخر إضافة فيها . ساعدني على هذا التوهم ثوره الهائل الكابي تلك الكبوة الفاجعة في معرضه قبل الأخير " انبعاث الذاكرة " ومحاولة علاء الموجعة في جعله رمزاً يتجاوز به محنته ، حين قطع رأسه وأضاف إليه لوحة

" جوهرة العقل " ! مقيماً إلى جانبه ذلك التابوت المغلف بالسواد ، والذي زرع علاء فيه جسده كله سوى الرأس .. رأس علاء ، ناظراً تلك النظرة الحيادية العجيبة إلى ثوره الكابي !

لا أدري لماذا أحسست يومها أن علاء كان يعاني من أزمة كبيرة . خشيت عليه إنساناً ، وخشيت عليه مبدعاً أنا واحد من أدرى الناس بكمية الإبداع الهائلة المخزونة فيه . وحين رأيت معرضه الأخير " لوعة الذاكرة " ، كادت الدموع تنهل من عيني .. دموع الفرح بعلاء المتجاوز لمحنته إنساناً  والمتجاوز لها مبدعاً ، والذي يثير الآن غابة من التساؤلات .

لا يهم إذا كان علاء قد اشتق عنوان المعرض ( لوعة الذاكرة ) من خلاصة أعماله بعد أن اكتملت .. أو أن " اللوعة " كانت حصاده من " انبعاث ذاكرته " ، وتوالدت من هذا الحصاد المر منحوتات معرضه الأخير جميعاً .. لا يهم ذلك .. المهم أن تفاحة علاء الفكرة ، تفتتت تماماً كما تتفتت الذرة ، مولدة كل هذه الأشكال النحتية التي يحمل كل واحد منها رؤية شديدة العمق للأنسان والحياة .

بين التفاحة الرمز المقدس الذي أخرج آدم وحواء من الجنة إلى الأرض ليبدأا عليها الحياة بأمر ربهما ، وبمشيئته .. وبين التفاحة الأرض بكل ما عليها ، تشظت أفكار علاء وصوره محدثة دوياً هائلاً في الرموز والدلالات ، مؤشرة مسيرة الحياة كلها من لحظة الولادة حتى لحظة الموت .

هنا أجدني مرغماً على الأنتقال إلى الجملة التي قدم بها الفنان لمعرضه ، متقٌرياً العلاقة بينها وبين

عنوان المعرض .. محاولاً – قدر ما أستطيع – أن أتلمس الأنساغ بينها وبين تجربة علاء عموماً ، ثم بينها وبين أعماله في هذا المعرض :

العُـري .. والنـدم ..

بالتأكيد على " العري " بدأ علاء مقدمة معرضه ، فقدم " عارياً " على الجملة كلها ، صادماً القارئ بعريه هذا وهو واقف تحت الشجرة المحرمة لا باختياره ، إنما "وجد نفسه هكذا.

ماذا أراد الفنان أن يؤكد بهذه الكلمة التي قدمها على الجملة بأسرها ؟ الفقر ؟ الضعف والعجز ؟؟ .. أم أنه محكوم بقدره وهو واقف تحت الشجرة المحرمة ، لا يستطيع الهروب منه ؟ . وما هو قدر الأنسان عند علاء ، لا في معرضه هذا وحده ، بل في تجربته كلها ؟؟ .

إنه الشريك الآخر الذي هو فقير إليه .. وهو قدره المحتوم الذي يعجز عن دفعه ، رغم أنه في الحقيقة متشبث به حتى آخر لحظة في حياته .. معرضاً نفسه –بتشبثه هذا – للثواب والعقاب طوال حياته ، والتي حصيلتها الأخيرة الندم !

ولـدوا ، وتألـموا .. ثم ماتـوا .

أنها دورة حياة البشر التي تستغرق رؤية علاء في أعماله جميعاً :

ميلاد يجد الإنسان نفسه فيه عارياً تحت الشجرة المحرمة .. وهنا ينشأ الإحساس بالخطيئة .. بالخوف منها وبالتعلق بها .. بممارستها حدٌ الفناء فيها ، ثم بالندم حدٌ محاولة الخلاص منها بأي ثمن ، ولكن دون جوى لأنها قدره . وبين هذا العري وهذا الندم يدفع ثمن خطيئته التي هي قدره – عقاباً وثواباً حتى الموت .. ومع موته هذا .. ومع ندمه كله ، ومع كل محاولاته محو وشمٍ التفاحة الخطيئة القدر من ذاكرته يبقى الإنسان متشبثاً بمداره هذا ، محكوماً به مهما حــاول الهــروب.

أول ما يدخل الداخل إلى المعرض ، يرتطم بنحت يبلغ في إيحائه حدٌ الشراسة : رجل وامرأة ، يسعيان نحو بعضهما وجهاً لوجه بعنفٍ مروٌع ، داخل تفاحة ، وهما يطوٌقانها بكل ما في سواعدهما من توتٌر ، وكأنهما يخافان أن تهرب منهما رغم أن معظم جسديهما في داخلها … إنه بدء الحياة التي هي الخطيئة في الوقت نفسه !.

وتتجول في المعرض سادراً مع كل الهـلوسات العجيبة العمق لعـلاء بشـير !.

تجد التفاحة الرمز للجنس الذي يشكل عند علاء المعادل الموضوعي للموت .. وإذ يرى غير علاء أن الموت هو الأقوى في مسيرة الكون ،فإن علاء يرى ان الموت بائس ضعيف أمام قوة الجنس وعنفوانه ، بدلالة ديمومة الحياة ، وتكاثر البشرية رغم جميع وسائل القتل والدمار ، ورغم جميع كوارث الطبيعة . وهنا نأخذ تفاحة علاء بعداً إنسانياً كبيراً يبدأ من الإيحاء بالأسرة ، ينتهي بفكرة الخلود .

ولأن تفاحة علاء تعني عنده مسيرة الحياة كلها ، بجميع تناقضاتها ، فقد وضعها في منحوتة ثانية ، رمزاً للحياة .. تدور عليها أقدام الإنسان من منبت غصنها الذي يعني هو أيضاً رمزاً جديداً من رموز علاء يحاول تأصيله في هذا المعرض . من حوض الغصن الرمز تخرج أقدام طفل لتدور فوق التفاحة تاركة آثاراً صغيرةً خفيفة ، تكبر وتتعمق في جسد التفاحة الحياة بعد كل دورة ، حتى تحس كأنها تهرس جسد التفاحة هرساً وهي تبلغ حافتها ، محاولةً الهروب دون جدوى !. إنها التفاحة القدر الذي رسم لآدم وحواء مصيرهما الذي لا يستطيعان الإفلات منه . وحتى في اشد حالات آدم هياجاً ، وأعنفها رفضاً وهو يحاول تمزيق جسده بكل هياجه ليخرج من هيكل التفاحة ، تجده عاجزاً عن الابتعاد عن هذا القدر بدلالة حركة بالغة الذكاء وضعها الفنان في الساق اليمنى لآدم وهو بكل غضبه وهياجه يحاول تحريكها من موضعها فلا تستطيع إلا أن ترتجف قدمه قليلاً وهي في مكانها !.

بين الرغبة والرفض .. بين المقاومة والاستسلام .. يضيء علاء بشير هواجسه المتناقضة ، ومعاناته الشخصية الدقيقة التي هي معاناة الإنسان حيث كان : مسيرة الحياة التي تبدأ بتفاحة بالغة النضج ، بالغة الحيوية ، ظاهرة كلها على سطح الحياة .. ثم تتكٌرر غاطسة تدريجياً في التراب ، فاقدة عنفوانها شيئاً فشيئاً .. حتى تصل في نهاية المنحوتة ولا شيء منها إلا سطح غريق ، وغصن ذابل !.

رغم كل الأوجاع ، ورغم كل المعاناة التي يعيشها الإنسان في تفاحة الحياة ، والتي يبدع علاء في التعبير عنها بأشكال مختلفة .. ورغم كل ثورته عليها ، ومحاولته الهروب منها ، فإنه ينتهي عالقاً بها حدٌ الإشفاق ، مستلقياً كالميت على حشد من التفاح .. متشبثةً يداه ورجلاه كل بتفاحة لا يريد الفكاك منها . ولكي لا يتوهـمه الرائي ميتاً في حضرة الحياة كـلها – التفاح - ، فقد أعطى أصابع إحدى قدميه حركة شديدة الذكاء ليشير إلى أن النفس مازال يتردد فيه !

لن أدخل في جميع زوايا المعرض ، فمنحوتاته كثيرة .. وتفاصيلها كثيرة .. ولكـنها

–        عموماً – تصب في نفس تيار الرمز .. في نفس تيار التجربة .. موقظةً في الأغصان الذابلة ، والتفاح الذاوي ، لوعة الذاكرة ! .

محبتي لعلاء بشير ، فأنا من المعجبين بموهبته الكبيرة ، والمؤمنين بقدرته على التجاوز ، وعلى الابتكار .. مضيئا – بإضاءته لقنديل نفسه – قناديل النفس الإنسانية في كل مكان .

Copyright © 2020 -
AlaBashir.com, All Rights Reserved



Designed and Powered by ENANA.COM