اجتياز حافة الوهم

فلاح الجواهري

شيئان يثيران استغرابي واعجابي كانطباعاتٍ عن معرض الصديق الفنان علاء بشير الاخير في مدينة نوتنغهام :

الجميع يعرف عن نزق مرحلة الشباب وتمرده  ،وان الهادفين والمبدعين فيها يرفعون الراية الحمراء في مسارهم لوضع بصماتهم  الخاصةعلى صلصالة الحياة حتى لو اقتضاهم ذلك تحدي ما لا يمكن تحديه ..الا وهو الموت .

كما ان الجميع يعرف ان للعمر احكامه وان الراية البيضاء للابداع لابد ان ترتفع- عند معظمهم – في عمر معلوم . .كم من ريشة خلاقة وقلم نير القيت جانبا نزولا على الذهن والجسد اللذين خذلهما العمر .

..في مطلع الثمانين من عمر اسطع فنار ثقافي في عصرنا (لوي غارسيا ماركيز) سقط القلم جانبا .

وكانما خجل هذا المارد الحضاري الجبار ان يعلن استسلامه بلسانه او بقلمه للملايين من محبيه ورواده فترك مهمة التصريح بذلك الاعلان للصحافة الى عائلته ..

..تصريح مختصر :

" ليس غريبا ان تدرك الشيخوخة اي انسان ، حتى لو كان لوي غارسيا ماركيز ..راجين احترام ذلك " .

غير ان علاء بشير في معرضه الاخير – وهو على مشارف الثمانين – يرفع راية التحدي الحمراء من جديد في ابداعات جديدة وكانه يخاطب اعلى سلطة جبارة في الكون ، تلك الحقيقة الابدية الوحيدة الجبارة الكاسرة .. " اني لا زلت في عز شبابي ..لن استسلم لك ! ..اني ذاك الذي تحداك قبل خمسين عاما !! " .

الامر المثير الاخر :

كثيرة تلك الامثلة في تأريخ المبدعين التي تتحدث عن امثلة مميزة منهم ، ممن تجاوزوا حافة الوهم فكان مستقر سقوطهم المشافي العقلية . وحتى وهم هناك في بحر عالمهم الهلامي الجديد - والذي ندعوه مجازا – جنونا ، يصرّون على ابداع رؤاهم عن اكوانهم الغرائبية الجديدة . وليس آخر مثال لهم بل واعظمهم ( فان كوخ ) ذلك الذي وصل الاعجاب به حد التقديس عند اليابانيين ليقيموا له اماكن لايقاد شموعهم وابخرة عطورهم . وهنالك النحاتة الفرنسية الفذة ملهمة رودان كاميل كلوديل (Camile Claudel)او الرسام الرمزي والموسيقار والشاعر اللتواني ميكالوس تشيرلونس ( Mikaljous Ciurlionis  ) . عطاء مبدع في مشافيهم .

ولكني اعرف صديقي علاء جيدا -وان شئتم اقسمت- بانه لا يزال في عالمنا الواعي فكرا فنيا ويدا تحمل الفرشاة  والمبضع الجراحي بثبات ..ولكن ..

إن خلق الكون والكائنات لابد ان يكون عملا خارقا ومضنيا حتى للخالق عز وجل " ثم استوى على العرش " في اليوم السابع ليستريح بعد هذا الابداع .

.. وما من بعث عظيم مالم تشبه حرائق وادخنة ..

" هرمت عصور الاختناق

ولوّن العصر الجديد

بدخانه الاحلام

ليس البعث بالعرس السعيد "

..ولابد من آدم يعصي فياكل تفاحة الخطيئة المحرمة ، ولابد من ابليس مارق ..وطرد بعد المعصية فنزول الى الارض المجدبة الموحشة ..فجريمة قابيل ..

أن تعيد ذلك الخلق ودخان حرائق المأساة التي تلته في لوحات ذات ابعاد محدودة تناسب قاعة العرض ( انه ليس سقف كنيسة الـسيستينا Sistine Chapel الهائل الابعاد ولا احد عشر عاما من عمل ميكل انجلو )، فلابد ان يكون الساعي الى ذلك مجنونا او انه هيرونيموس بوش (Hieronemous Bosch ) في القرن الرابع عشر أو علاء بشير اليوم ومحاولتة  ذلك في معرض الوهم (Illusion)  

وان يفلح في لوحاته ان يدفع الاخرين الى اجتياز حافة الوهم .

نعم ان توفق في التحايل في تكوين الموضوع واللون والاشكال فتجرالمتفرج الى الحافة ثم لتدفعه (عن عمد وسبق اصرار ) الى بحر الوهم الهلامي الذي رسمته

..فمن احسن السباحة منهم نجى، ومنهم من ظل يتخبط غير مدرك ابعاد العباب والتيه الذي وقع فيه ..او ذلك الذي استسلم فغرق في سبات مريح في لجة هلاميات بحار الوهم ..

اما خالق العالم – الموهوم – المصغر ، فنانا علاء فانه هناك ، عند اعلى الحافة يقف راسخا مطمئنا يرقب الجميع ممن سقطوا تحته في عوالمه وعلى شفتيه ابتسامة رضى وسلام نصف ساخرة سعيدة ..يلتفت الى الخلف ليسال هيرونيموس بوش :

  • اليس كذلك يا صاحبي ؟!
  • ولا شيء غير ذلك ! يغص هيرونيموس بجوابه وهو يقهقه ضاحكا .

Copyright © 2020 -
AlaBashir.com, All Rights Reserved



Designed and Powered by ENANA.COM